تعليم

«لم أكن أبحث عن شهادة.. كنت أبحث عن أثر» الباحثة والإعلامية مي أبو الفتوح: اعتزلت الحياة عامًا ونصف العام من أجل فكرة…. وكنت أخشى لجنة المناقشة أكثر من الرسالة نفسها

حوار: اكرم دره 

في عالم يزداد فيه عدد الباحثين عامًا بعد عام، يبقى السعي نحو إنتاج معرفة جديدة أو تقديم إضافة علمية حقيقية أكثر صعوبة من مجرد الحصول على درجة أكاديمية. ومن هذا المنطلق خاضت الباحثة والإعلامية مي عبد الفتاح محمود أبو الفتوح، الشهيرة إعلاميًا بـ«مي أبو الفتوح»، رحلة علمية طويلة انتهت بحصولها على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة المنصورة، مع التوصية بطباعة الرسالة ونشرها على نفقة الجامعة وتبادلها مع الجامعات الأجنبية.

لكن خلف هذه النتيجة كانت هناك سنوات من التخطيط والاجتهاد والعزلة الاختيارية والبحث عن الأثر، انتهت بتقديم نموذج نظري جديد بعنوان «الدفاع الرمزي في الفضاء الرقمي»، في محاولة للإسهام في مسار التنظير الإعلامي المعاصر.

في هذا الحوار تتحدث مي أبو الفتوح عن رحلتها العلمية، والأساتذة الذين أثروا في تكوينها، وكواليس المناقشة، وفلسفتها في الصبر والنجاح، ولماذا كانت دموعها يوم المناقشة أقرب إلى دموع الرضا منها إلى دموع الفرح.

بداية.. ماذا تمثل لكِ لحظة الحصول على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى؟

أعتقد أن ما شعرت به في تلك اللحظة كان أكبر من مجرد الحصول على درجة علمية. صحيح أن الدكتوراه محطة مهمة في حياة أي باحث، لكن بالنسبة لي لم تكن هي الهدف النهائي. كنت أشعر طوال الرحلة أنني لا أبحث عن شهادة بقدر ما أبحث عن أثر، ولا أبحث عن لقب بقدر ما أبحث عن إضافة علمية حقيقية يمكن أن تبقى بعد سنوات طويلة. لذلك عندما انتهت المناقشة وشعرت بهذا التقدير من اللجنة، شعرت أن الله سبحانه وتعالى جبر خاطري وأرضاني عن سنوات طويلة من السعي والتعب والاجتهاد.

هل كان هدفك منذ البداية الحصول على الدكتوراه فقط؟

لا، على الإطلاق. منذ بداية الرحلة كنت أرى أن الحصول على الدرجة العلمية هو نتيجة طبيعية للمجهود، لكنه ليس الهدف الأساسي. كنت دائمًا أسأل نفسي: ماذا سأضيف؟ وما الذي سيبقى بعدي؟ نحن جميعًا راحلون في النهاية، لكن يبقى العلم النافع ويبقى الأثر. لذلك كنت أبحث عن فكرة أو إضافة يمكن أن تقدم شيئًا جديدًا في المجال، وليس مجرد دراسة تنتهي عند رفوف المكتبات أو تنتهي بانتهاء المناقشة.

يصفك البعض بالإعلامية، والبعض بالباحثة، بينما يرى آخرون أنك دخلت أيضًا إلى مجال التنظير الإعلامي.. كيف تنظرين إلى ذلك؟

أنا لا أحب المبالغة في الأوصاف أو الألقاب، فما زلت أعتبر نفسي في رحلة تعلم مستمرة. لكن ما أؤمن به هو التطور. بدأت عملي كإعلامية، ثم اتجهت إلى البحث العلمي، ثم حاولت أن أقدم إضافة نظرية جديدة من خلال نموذج تفسيري يساعد على فهم بعض الظواهر الاتصالية المعاصرة. لذلك لا يشغلني كثيرًا ماذا يطلق عليّ الناس بقدر ما يشغلني السؤال الأهم: هل أضفت شيئًا مفيدًا أم لا؟ وهل قدمت علمًا يمكن أن ينتفع به الآخرون أم لا؟

يبدو من حديثك أن هناك تخطيطًا طويل المدى وراء هذه الرحلة؟

بالفعل. أنا بطبيعتي لا أحب العشوائية، وأؤمن أن النجاح الحقيقي لا يأتي بالصدفة. معظم المحطات المهمة في حياتي كانت نتيجة تخطيط مسبق وأهداف واضحة. عندما بدأت الدكتوراه لم أكن أفكر فقط في إنهاء الدراسة أو الحصول على الدرجة، بل كنت أفكر في ماذا يمكن أن أقدم من خلالها، وما القيمة التي يمكن أن أضيفها. ولذلك كنت مستعدة لأن أبذل وقتًا وجهدًا أكبر إذا كان ذلك سيقود إلى نتيجة أفضل.

لماذا اخترتِ طريقًا أكثر صعوبة من مجرد إعداد رسالة دكتوراه تقليدية؟

لأنني كنت مقتنعة أن الدكتوراه ليست عددًا من الصفحات ولا مجرد متطلب أكاديمي. أثناء مراجعة الدراسات السابقة وجدت أن عددًا كبيرًا من الباحثين في توصياتهم العلمية ينادون بضرورة تطوير النماذج والأطر النظرية في الإعلام، وأن معظم الدراسات ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على النظريات التقليدية. من هنا بدأت الفكرة. قلت لنفسي: إذا كان الجميع يطالب بالتطوير النظري، فلماذا لا نحاول؟ وهل توجد فجوة بحثية حقيقية تستحق أن نبذل الجهد من أجلها؟ ومن هنا بدأت رحلة طويلة من البحث والمراجعة والمقارنة بين النظريات والنماذج المختلفة حتى وصلت إلى نموذج «الدفاع الرمزي في الفضاء الرقمي».

وكيف جاءت فكرة النموذج تحديدًا؟

جاءت نتيجة قراءة واسعة جدًا للدراسات والأبحاث السابقة. لاحظت وجود تفاعلات دفاعية متكررة لدى الجمهور تجاه صورة الدولة ومقدراتها وإنجازاتها ورموزها الوطنية عبر المنصات الرقمية، لكنني لم أجد إطارًا تفسيريًا مباشرًا يشرح هذه العلاقة بالشكل الكافي. لذلك بدأت رحلة بحث إضافية فوق البحث الأساسي للدكتوراه، لأن بناء نموذج نظري لا يعني فقط ابتكار فكرة، وإنما يتطلب مراجعة واسعة للنظريات السابقة وفهم حدودها ومجالاتها ومقارنتها بالإضافة الجديدة المقترحة. هذا الجزء وحده استغرق جهدًا ضخمًا للغاية.

من هم الأساتذة الذين كان لهم التأثير الأكبر في تكوينك العلمي؟

أؤمن أن الباحث لا يصنع نفسه وحده. تعلمت كثيرًا من الأستاذة الدكتورة سحر فاروق، رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة حلوان، وكانت من أكثر الشخصيات تأثيرًا في فهمي الحقيقي لمعنى البحث العلمي والانضباط الأكاديمي والجدية. وأدين بالفضل أيضًا للأستاذة الدكتورة ليلى حسين السيد، رئيس قسم الإعلام الأسبق بكلية الآداب جامعة حلوان، وكذلك الأستاذة الدكتورة نائلة عمارة، عميد كلية الإعلام بجامعة فاروس بالإسكندرية، والتي تولت أيضًا رئاسة قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة حلوان في فترة سابقة، وقد تعلمت على أيديهن جميعًا خلال مراحل مختلفة من رحلتي العلمية.

أما خلال الدكتوراه، فكان لأستاذي الأستاذ الدكتور عبد الهادي أحمد النجار، أستاذ الصحافة وتكنولوجيا الفن الصحفي بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة المنصورة، فضل كبير جدًا، ليس فقط على المستوى العلمي، وإنما على المستوى الإنساني أيضًا، وكان بالنسبة لي داعمًا وسندًا وأبًا روحيًا طوال الرحلة.

تردد أنكِ اعتزلتِ الحياة تقريبًا خلال الفترة الأخيرة من إعداد الرسالة؟

إلى حد كبير نعم. خلال السنة والنصف الأخيرة تحديدًا دخلت في حالة من التفرغ شبه الكامل للدراسة. توقفت عن العمل، وابتعدت عن معظم الأنشطة الاجتماعية، وقللت التواصل مع الأصدقاء والمعارف إلى الحد الأدنى، بل إن هاتفي كان مغلقًا لفترات طويلة. لم يكن ذلك كرهًا للحياة أو للناس، وإنما لأنني كنت أشعر أن المشروع الذي أعمل عليه يحتاج إلى تركيز كامل. كنت أراجع وأقرأ وأعدل وأعيد التفكير باستمرار، وأحيانًا كنت أعود إلى الفصل الواحد عشرات المرات. لذلك كنت أحتاج إلى هدوء ذهني كامل.

وهل تنصحين الآخرين بهذه العزلة؟

أسميها «الاصطفاء الذهني» أكثر من كونها عزلة. ليس مطلوبًا من الجميع أن يكرروا التجربة نفسها، لكنني أؤمن أن بعض الأهداف الكبيرة تحتاج إلى فترات من التركيز الكامل. أحيانًا يحتاج الإنسان أن يبتعد قليلًا عن الضوضاء حتى يسمع أفكاره بوضوح. وإذا كان لديك مشروع تؤمن به فعلًا، فمن حقه عليك أن تمنحه أفضل ما لديك من وقت وجهد وتركيز.

من الشخصيات التي كان لها تأثير فكري وإنساني عليك خارج الإطار الأكاديمي؟

هناك شخصيات كثيرة أثرت في تكويني الفكري والإنساني، ومن بينهم اللواء أركان حرب دكتور محمود خليفة، مستشار أمين عام جامعة الدول العربية للشؤون العسكرية، وقائد الجيشين الثاني والثالث الميدانيين سابقًا، ومحافظ الوادي الجديد الأسبق. تعلمت منه الكثير على مستوى التفكير الاستراتيجي واتساع الرؤية والربط بين القضايا المختلفة، وكان له تأثير حقيقي في توسيع آفاق التفكير لدي. كما أعتز كثيرًا بالأستاذ فارس حسني، أمين عام نقابة السياحيين، لما يتمتع به من دعم صادق للجهود العلمية المرتبطة بالسياحة والوعي الوطني.

وكان حضورهما للمناقشة أمرًا عزيزًا جدًا على قلبي، خاصة أنني كنت منقطعة عن التواصل لفترة طويلة. وعندما قررت إبلاغ الأشخاص الذين كان لهم فضل إنساني أو علمي في حياتي بموعد المناقشة، وجدت منهم دعمًا وتقديرًا كبيرين، وكان ذلك مصدر سعادة كبيرة بالنسبة لي.

وماذا عن تكريم نقابة السياحيين لك بعد المناقشة؟

أسعدني كثيرًا لأن النقابة لم تنظر إلى الدراسة باعتبارها جهدًا أكاديميًا فقط، وإنما أدركت العلاقات البينية التي تتناولها بين السياحة والوعي الوطني والدفاع الرمزي والأمن القومي. كما أسعدني أن النقابة كرمت اللواء أركان حرب دكتور محمود خليفة تقديرًا لدوره الفكري والتوعوي، وكرمت أيضًا أعضاء لجنة المناقشة تقديرًا لجهدهم العلمي الكبير في مناقشة هذه الدراسة.

كنتِ متخوفة من لجنة المناقشة.. لماذا؟

بصراحة نعم، كنت متخوفة جدًا. عندما أخبرني أستاذي الدكتور عبد الهادي أحمد النجار بتشكيل اللجنة شعرت بقدر كبير من القلق. نحن نتحدث عن الأستاذ الدكتور عبد العزيز السيد عبد العزيز، أستاذ الصحافة ومؤسس كلية الإعلام بجامعة جنوب الوادي، والعميد السابق لها، والعميد الأسبق لكلية الإعلام بجامعة بني سويف، وهي قامة علمية كبيرة جدًا. كما نتحدث عن الأستاذ الدكتور مجدي محمد عبد الجواد الداغر، أستاذ الصحافة ورئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة المنصورة، وهو أيضًا من الأسماء الأكاديمية الكبيرة. لذلك كان طبيعيًا أن أشعر بالرهبة من تقييم هذه القامات العلمية، خصوصًا أنني أقدم نموذجًا نظريًا جديدًا وأحاول دخول مساحة التنظير الإعلامي.

وماذا حدث خلال المناقشة؟

الحقيقة أن ما حدث كان أكبر من توقعاتي. وجدت احترامًا للفكرة، ونقاشًا علميًا جادًا وعميقًا، وتشجيعًا منحني ثقة كبيرة. أشاد الأستاذ الدكتور عبد العزيز السيد عبد العزيز بقوة الدراسة وعمقها العلمي وتأصيلها النظري والمنهجي، وأكد أنه لم يناقش منذ سنوات طويلة دراسة بهذا المستوى من القوة والرصانة العلمية. كما أشاد الأستاذ الدكتور مجدي محمد عبد الجواد الداغر بالدراسة، وأكد أن الجهد المبذول فيها يفوق الجهد المعتاد في دراسات الدكتوراه، وأن الموضوع كان يستحق الدراسة والبحث، بل وأشار إلى أنه استفاد شخصيًا من الاطلاع عليه. بالنسبة لي كانت هذه الشهادات ذات قيمة كبيرة لأنها جاءت من قامات علمية لها تاريخ طويل جدًا في البحث العلمي والإشراف والمناقشات الأكاديمية.

رغم أنكِ معروفة بشخصية قوية، فإنكِ بكيتِ خلال المناقشة.. لماذا؟

لأنها لم تكن دموع فرح فقط، وإنما دموع رضا. أنا لا أبكي بسهولة، لكن في تلك اللحظة شعرت أن الله يجبر خاطري بعد سنوات طويلة من التعب والاجتهاد والصبر. وتأثرت بشدة عندما تحدث أستاذي الدكتور عبد الهادي أحمد النجار وقال إن أكثر ما لفت نظره في شخصيتي منذ البداية هو الأخلاق والاجتهاد، وإنني سأبقى في ذاكرته. في تلك اللحظة لم أكن أرى الدكتوراه أو الدرجة العلمية، وإنما كنت أرى رحلة كاملة تمر أمام عيني. رأيت سنوات السعي والتعب والضغوط والتضحيات، وشعرت أن الله سبحانه وتعالى يرضيني ويكافئني على ما بذلته من جهد، ولذلك كانت دموعي دموع رضا قبل أن تكون دموع فرح.

ما أهم درس خرجتِ به من هذه الرحلة؟

تعلمت أن الصبر ليس مدة زمنية. كثير من الناس يربطون الصبر بالشهور أو السنوات، بينما أراه مختلفًا تمامًا. الصبر بالنسبة لي هو الاستمرار حتى يتحقق المراد الذي تصبر من أجله، مهما استغرق ذلك من وقت، مع الأخذ بالأسباب والسعي والاجتهاد والدعاء وتفويض الأمر لله. طوال الرحلة كنت مؤمنة أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن الإنسان إذا أخلص النية واجتهد وصبر فسيرى أثر ذلك يومًا ما.

وفي ختام الحوار.. ماذا تقولين للشباب والباحثين؟

أقول لهم: لا تجعلوا الهدف هو الشهادة أو المنصب أو اللقب. فكروا في الأثر. اسألوا أنفسكم دائمًا: ماذا سيبقى بعدكم؟ ما العلم الذي يمكن أن ينتفع به الناس؟ وما القيمة التي يمكن أن تضيفوها؟ أؤمن أن الإنسان إذا أخلص النية لله، وأخذ بالأسباب، وصبر حتى النهاية، فإن الله لا يضيع أجره أبدًا. وما رأيته يوم المناقشة لم يكن مجرد نجاح أكاديمي بالنسبة لي، بل كان جبرًا من الله بعد سنوات طويلة من الاجتهاد، والحمد لله على ذلك أولًا وآخرً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى