أدبي

كل سبت حكاية تستحق الكلام بين الحلم والإنجاز يولد الطموح

كل سبت حكاية تستحق الكلام

بين الحلم والإنجاز يولد الطمو

بقلم رحاب النحاس

كل إنسان يحمل بداخله حلما يتمنى يوما أن يراه حقيقة. قد يكون الحلم بسيطا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لصاحبه يمثل الكثير، وقد يكون حلما كبيرا يحتاج إلى سنوات من العمل والصبر حتى يصبح واقعا. وبين هذا الحلم وتلك اللحظة التي يتحول فيها إلى إنجاز توجد رحلة طويلة لا يراها أحد، رحلة مليئة بالمحاولات والخوف والتردد والتعب والنجاح والفشل والبدء من جديد.

كثيرا ما ننظر إلى الأشخاص الذين حققوا نجاحا ونرى النتيجة فقط، فنعتقد أن الطريق كان سهلا بالنسبة إليهم، أو أنهم كانوا أكثر حظا منا، أو أن الظروف ساعدتهم بطريقة لم تساعدنا. لكننا نادرا ما نرى ما حدث خلف هذه النتيجة. لا نرى السنوات التي قضوها في التعلم، ولا اللحظات التي شكوا فيها في أنفسهم، ولا المرات التي فشلوا فيها، ولا القرارات الصعبة التي اضطروا إلى اتخاذها حتى يصلوا إلى المكان الذي يقفون فيه اليوم.

الحقيقة أن الإنجاز لا يبدأ يوم يصفق لنا الناس، وإنما يبدأ في اللحظة التي نقرر فيها ألا نتخلى عن حلمنا.

الطموح ليس مجرد أن نريد شيئا، ولكنه أن نمتلك القدرة على السعي إليه. أن نعرف ماذا نريد، وأن نتحمل الطريق إليه، وأن نفهم أن الوصول لا يحدث دائما بسرعة، وأن بعض الأحلام تحتاج إلى وقت أطول مما كنا نتوقع.

ولذلك فإن الطموح الحقيقي لا يعني أن الإنسان لا يتعب أو لا يخاف أو لا يشعر بالإحباط. الإنسان في النهاية بشر، ومن الطبيعي أن تأتي عليه أيام يشعر فيها بأنه فقد طاقته، أو أن الطريق أصبح أطول مما يحتمل، أو أن ما يسعى إليه بعيد جدا. لكن الفرق بين من يصل ومن يتوقف أحيانا لا يكون في حجم الحلم، وإنما في القدرة على الاستمرار رغم هذه المشاعر.

قد نتعب، لكن لا نتوقف. قد نفشل، لكن نتعلم. قد نغير الطريق، لكن لا نفقد الهدف.

وأحيانا يكون أكبر عدو للطموح هو المقارنة. عندما ننظر إلى شخص وصل قبلنا، نشعر أننا تأخرنا، وعندما نرى نجاح الآخرين، ننسى أننا نخوض تجارب مختلفة ونبدأ من نقاط مختلفة. هناك من بدأ مبكرا، وهناك من احتاج سنوات حتى يعرف ما يريد، وهناك من اضطر إلى أن يبدأ من الصفر بعد أن كان يظن أنه وصل بالفعل.

ولا يوجد توقيت واحد للنجاح.

قد يحقق الإنسان حلمه في العشرين، وقد يكتشف نفسه في الثلاثين، وقد يبدأ طريقه الحقيقي بعد الأربعين. لا يعني ذلك أنه تأخر، لأن الحياة ليست سباقا له موعد محدد يجب أن نصل إليه جميعا في الوقت نفسه. لكل إنسان ظروفه وتجربته وطريقه الخاص.

الأهم ألا يتحول التأخر إلى استسلام.

فكم من شخص كان قريبا من تحقيق حلمه لكنه توقف لأنه اعتقد أن الوقت قد فات، وكم من شخص بدأ في عمر ظن فيه الجميع أن البداية لم تعد مناسبة، ثم استطاع بعد سنوات أن يحقق ما كان يعتقد أنه مستحيل.

أحيانا لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا تأخرت، وإنما ماذا ستفعل بما تبقى من الطريق.

والطموح أيضا يحتاج إلى شجاعة. شجاعة أن تبدأ وأنت لا تملك كل الإجابات، وأن تخطو الخطوة الأولى رغم خوفك، وأن تقبل أن الطريق لن يكون مثاليا، وأنك قد تخطئ وتتعثر وتغير بعض قراراتك أثناء الرحلة.

ليس مطلوبا أن تعرف كل شيء قبل أن تبدأ. في كثير من الأحيان نتعلم أثناء الطريق، ونكتشف قدرات لم نكن نعرف أنها موجودة بداخلنا إلا عندما نضع أنفسنا في تجربة جديدة.

ولهذا لا يجب أن ننتظر الظروف المثالية حتى نتحرك. قد لا تأتي الظروف التي ننتظرها أبدا. قد لا يكون لدينا الوقت الكافي أو المال الكافي أو الدعم الكافي، لكن يمكننا دائما أن نبدأ بما نملك، وأن نطور أنفسنا خطوة بعد خطوة.

الأحلام التي تظل مؤجلة حتى يأتي الوقت المناسب قد تتحول مع الوقت إلى أمنيات بعيدة، بينما الأحلام التي تتحول إلى أهداف وخطوات صغيرة يمكن أن تصبح واقعا.

فالإنجاز الكبير لا يأتي دائما من خطوة ضخمة، وإنما قد يبدأ بخطوة صغيرة تتكرر كل يوم.

أن تتعلم شيئا جديدا، أن تطور مهارة، أن تقرأ، أن تعيد المحاولة، أن ترفض الاستسلام بعد تجربة فاشلة، أن تبدأ مشروعا صغيرا، أن تعود إلى الدراسة، أن تغير مجالا لم يعد يناسبك، أن تبحث عن فرصة جديدة، كلها خطوات قد تبدو بسيطة في لحظتها، لكنها مع الوقت تصنع فارقا كبيرا.

ولا يجب أن نقيس قيمة الإنجاز بحجمه في عيون الآخرين.

قد يرى البعض أن النجاح هو منصب كبير أو شهرة أو مال أو مكانة اجتماعية، بينما قد يكون النجاح بالنسبة لشخص آخر أن يستعيد ثقته بنفسه، أو يتجاوز تجربة صعبة، أو يبدأ من جديد، أو يحقق شيئا ظل يؤجله لسنوات.

الإنجاز الحقيقي هو أن تصبح أقرب إلى الشخص الذي تريد أن تكونه.

وأحيانا يكون أجمل ما يمنحنا إياه الحلم ليس الوصول إليه فقط، وإنما الشخص الذي نصبح عليه ونحن نسعى إليه. فالطريق يعلمنا الصبر، ويمنحنا الخبرة، ويكشف لنا نقاط قوتنا وضعفنا، ويجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع الحياة.

قد نبدأ الطريق ونحن نريد تحقيق هدف معين، ثم نكتشف في النهاية أن الرحلة نفسها كانت جزءا من الجائزة.

فالإنسان عندما ينجح بعد سنوات من المحاولة لا يحصل فقط على النتيجة، وإنما يحصل أيضا على نسخة أقوى وأكثر وعيا ونضجا من نفسه.

ومن المهم أيضا أن نفهم أن تغيير الحلم أحيانا لا يعني الفشل. قد نبدأ في طريق ونكتشف بعد فترة أنه لم يعد يناسبنا، وقد تتغير أولوياتنا، وقد نكتشف أن ما كنا نريده منذ سنوات لم يعد يمثلنا اليوم. وهنا يكون من النضج أن نعيد النظر في أهدافنا، وأن نسمح لأنفسنا بأن نختار طريقا جديدا دون أن نشعر بأننا خسرنا.

الحياة ليست عقدا يلزمنا بأن نكمل الطريق نفسه مهما حدث.

الطموح الحقيقي ليس التمسك الأعمى بهدف لم يعد يشبهنا، وإنما أن نمتلك الشجاعة لنبحث دائما عن المكان الذي نستطيع أن نقدم فيه أفضل ما لدينا.

ولذلك لا يجب أن نخجل من أحلامنا، ولا أن نسمح لكلمات الآخرين بأن تحدد لنا ما نستطيع تحقيقه. قد يرى شخص آخر حلمك كبيرا جدا، بينما تراه أنت بداية لحياة مختلفة. وقد يشك البعض في قدرتك لأنهم لا يرون ما تراه أنت في نفسك.

لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون الطموح مصحوبا بالوعي. ليس المطلوب أن نطارد كل شيء، ولا أن نقضي حياتنا في محاولة لإثبات أنفسنا للآخرين. الطموح الحقيقي هو أن نعرف ماذا نريد ولماذا نريده، وأن يكون النجاح بالنسبة لنا مرتبطا بقيمتنا الحقيقية وليس بنظرة الناس إلينا.

فما قيمة أن نصل إلى مكان لا نشعر فيه بالرضا، أو أن نحقق شيئا فقط حتى نقنع الآخرين بأننا نستطيع؟

النجاح الحقيقي هو أن نصل إلى شيء يشبهنا، وأن نشعر أن تعبنا لم يذهب هباء، وأن نعرف أن الطريق الذي اخترناه كان يستحق.

وفي النهاية، ربما لا تكون المسافة بين الحلم والإنجاز قصيرة، لكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.

كل إنجاز بدأ يوما بفكرة، وكل قصة نجاح بدأت بمحاولة، وكل شخص وصل إلى مكان ما كان في لحظة من اللحظات يقف في بداية الطريق ولا يعرف كيف ستكون النهاية.

لذلك لا تجعل خوفك من الطريق يمنعك من البداية، ولا تجعل فشلا واحدا يقنعك بأنك غير قادر، ولا تجعل نجاح الآخرين سببا في التقليل من نفسك.

ابدأ من مكانك، وبما تملكه، وبالإمكانات الموجودة أمامك الآن. تعلم، حاول، طور نفسك، وإذا تعثرت فابدأ من جديد. وإذا تغيرت الظروف فغير خطتك، وإذا اكتشفت أن الطريق لم يعد مناسبا لك فابحث عن طريق آخر.

المهم ألا تتخلى عن نفسك.

فبين الحلم والإنجاز يولد الطموح، وبين الطموح والعمل يبدأ الطريق، وبين الصبر والاستمرار يأتي الإنجاز.

وربما يكون الحلم الذي تراه اليوم بعيدا هو نفسه الإنجاز الذي ستنظر إليه يوما وتقول إن كل ما مررت به كان يستحق.

كل سبت حكاية تستحق الكلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى